1 min read
إطلاق عملية تتبع الاعتقالات: رصد حالات التوقيف والمحاكمات الجزائية لدعم العدالة الانتقالية

إطلاق عملية تتبع الاعتقالات: رصد حالات التوقيف والمحاكمات الجزائية لدعم العدالة الانتقالية

 في مرحلة ما بعد الأسد، لا تزال إجراءات العدالة التي تتناول الجرائم التي ارتكبها مسؤولو نظام الأسد مصدر قلق بالغ وملح للشعب السوري. فعلى الرغم من التزام الحكومة الانتقالية بإجراءات جزائية ضد المسؤولين الحكوميين السابقين والمتعاونين معهم، إلا أنها فشلت في وضع إطار إجرائي شفاف لإطلاع الجمهور على التقدم المُحرز في محاسبة الجناة. وقد أدّى غياب التقدم الملموس في عملية العدالة الانتقالية إلى تصاعد الاضطرابات الداخلية وعمليات القتل خارج نطاق القضاء، مما يُهدد بزعزعة استقرار عملية بناء السلام.

ولمعالجة هذا النقص في الشفافية، طوّر المركز السوري للعدالة والمساءلة نظام تتبع عام يرصد الاعتقالات والإجراءات القضائية المتعلقة بمسؤولي نظام الأسد والجهات المتعاونة معهم. ويهدف هذا النظام إلى متابعة التطورات والأنماط في هذا الشأن، ودعم الجهود الرامية إلى تحسين السياسات العامة في سوريا.

تتبع الاعتقالات: رصد الاعتقالات والإجراءات الجزائية

منذ أواخر عام ٢٠٢٤، يتابع المركز السوري للعدالة والمساءلة حالات الاعتقال والتوقيف التي طالت مسؤولي حكومة الأسد خلال الفترة الانتقالية. ونظرًا لأهمية رصد أوضاع حقوق الإنسان من قِبل جهات مستقلة، والتزامًا بدعم العدالة الانتقالية في سوريا، جمع المركز نتائجه حول الاحتجازات والاعتقالات والإفراجات والإجراءات الجزائية المرتبطة بها من خلال هذا التتبع.

وقد تتبع فريق التحقيقات في المركز هذه الحالات من خلال بيانات مفتوحة المصدر جُمعت عبر المعرفات الرسمية للحكومة السورية على منصات التواصل الاجتماعي والمصادر الإعلامية الرسمية. وسيتم تحديث قائمة التتبع بانتظام لضمان موثوقيتها كمصدر للمعلومات حول الاحتجازات والاعتقالات والإفراجات والإجراءات القضائية المتعلقة بمسؤولي الحكومة السابقة. كما سيستخدم المركز هذه البيانات لتحليل الأنماط والتطورات في هذا الشأن، وتقييم وضع إجراءات العدالة المتعلقة بمسؤولي حكومة الأسد، والاحتجاز الآمن والإنساني، والامتثال للإجراءات القانونية الواجبة في سوريا، والدعوة إلى تحسينها. 

السياق: التعامل مع فلول حكومة الأسد- من ديسمبر 2024 حتى الآن

على الرغم من أن العدد قد يصل إلى عدة آلاف استنادًا إلى تصريحات إعلامية لوزير العدل، إلا أن القوائم العامة الصادرة عن وزارة الداخلية تشير إلى اعتقال ما يقرب من 350 شخصاً فقط من المنتسبين للحكومة السابقة منذ ديسمبر 2024. وقد تم تبرير هذه الاعتقالات كجزء من العملية الانتقالية لمحاسبة مرتكبي الجرائم التي ارتكبتها الحكومة السورية والجهات التابعة لها خلال عهد الأسد.

بالتوازي مع الاعتقالات، أصدرت الحكومة السورية عفوين عامين عن معتقلين سابقين تابعين للحكومة منذ ديسمبر 2024. الأول في حزيران/ يونيو 2025، قبيل عيد الأضحى، وأصدرته اللجنة العليا لحفظ السلم الأهلي في سوريا (المعروفة باسم "لجنة السلم الأهلي"). وقد أفرج بموجب هذا العفو بشكل أساسي عن ضباط عسكريين سابقين في عهد حكومة الأسد. اتفقت اللجنة ووزارة الداخلية على أن إطلاق سراح هؤلاء المعتقلين مبرر، رغم عدم اتباع أي إجراءات قانونية واضحة، لعدم ثبوت إدانتهم بارتكاب جرائم حرب خطيرة؛ وأن إطلاق سراحهم سيساهم في تهدئة التوترات الاجتماعية، لا سيما في منطقة الساحل السوري بعد اندلاع أعمال عنف في اللاذقية وطرطوس في آذار/مارس 2025. وقد اكتنف الغموض كيفية اعتقال المفرج عنهم في البداية، والإجراءات التي تم بموجبها تقييم براءتهم من التورط في الجرائم. ويُزعم أن إطلاق سراح نحو 300 عنصر من القوات العسكرية والأمنية التابعة لحكومة الأسد قد تم بوساطة فادي صقر، وهو قائد ميليشيا معروف شارك في مجزرة التضامن عام 2013، والذي أصبح، بشكل مثير للجدل، عضواً في لجنة السلام المدني نفسها.

وجاء العفو الثاني في آذار/مارس 2026 بموجب مرسوم رئاسي. وقد نص المرسوم على عفو عام عن الجرائم المرتكبة قبل صدوره، مما سيؤدي إلى تخفيض أو إلغاء أحكام السجن للكثيرين. وكان الهدف المقترح من المرسوم هو تخفيف العبء على نظام السجون وتشجيع المصالحة الوطنية. نص العفو العام على استثناء المعتقلين المتورطين في جرائم خطيرة، بما في ذلك التعذيب والاتجار بالبشر وسرقة الممتلكات العامة. وإلى جانب هاتين الحالتين الأوسع نطاقًا لإطلاق سراح السجناء، أطلق سراح حالات فردية لمعتقلين تابعين لحكومة الأسد عبر آليات قانونية مختلفة.

خلال هذه العملية، ساد غموض في الإطار الإجرائي وانعدام الشفافية فيما يتعلق باعتقال وإطلاق سراح الموالين للحكومة السابقة. وقد تقاعست السلطات عن توضيح معايير الاعتقال والإفراج بشكل جليّ. كما أنه من غير الواضح ما هي الأسس القانونية التي استندت إليها الهيئات الحكومية المختلفة في إصدار قرارات العفو التي سمحت بالإفراج، ومن المشكوك فيه أن تكون هذه القرارات قد اتُخذت بشكل منفرد من قبل جهات مختلفة دون إشراك "الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية". ويشوب الغموض وضع نظام الاحتجاز، وما إذا كان المحتجزون يحظون بضمانات المحاكمة العادلة وفق الأصول المرعية الإجراء. علاوة على ذلك، فإن الوضع الإجرائي والقانوني لقضايا المحتجزين غير متاح للجمهور، كما أن معظم إجراءات العدالة لم يتم الإعلان عنها.

وقد بررت الهيئات الحكومية الانتقالية هذا الغموض بالطبيعة الحساسة، اجتماعياً وسياسياً، للتعامل مع مسؤولي حكومة الأسد والجهات التابعة لها. ومع ذلك، فإن غياب إجراءات عدالة شفافة لمعالجة ملف مسؤولي وأفراد الحكومة السابقة قد يشكل، بدوره، عاملاً مساهماً في أعمال العنف الانتقامي والعنف الطائفي التي اجتاحت سوريا طوال الفترة الانتقالية. إن وجود سياسة عدالة شفافة ومتماسكة، تعالج مسألة الأطراف التابعة للحكومة السابقة، يُعد أمراً محورياً لتحقيق المساءلة عن الجرائم الماضية ودفع عجلة عملية العدالة الانتقالية في سوريا.

ملاحظات ختامية وتوصيات

إن معالجة سنوات من انتهاكات حقوق الإنسان وجرائم الحرب التي ارتكبها مسؤولون رسميون وأطراف تابعة لهم في ظل حكومة الأسد تُعد مسألة جوهرية في عملية العدالة الانتقالية في سوريا. ومن المهم أن تُرسي بداية هذه العملية أساساً متيناً لسياسات وممارسات حكومية تحمي حقوق الإنسان -لا سيما في سياق الاحتجاز وضمانات المحاكمة العادلة- وأن تبني ثقة الجمهور في عملية العدالة الانتقالية. ومن خلال إحداث تغييرات فعالة في السياسات وجهود كشف الحقيقة، يمكن للحكومة أن تتصدى لمزيد من أعمال العنف الانتقامي ضد مسؤولي الحكومة السابقة، وضد المجتمع العلوي بشكل أوسع.

وعليه، ينبغي على الحكومة الانتقالية في سوريا ما يلي:

  • توفير معلومات شفافة حول حالات الاحتجاز، والاعتقال، والإفراج. ويشمل ذلك وضع معايير واضحة ومتسقة لاحتجاز واعتقال أفراد الحكومة السابقة. وعلاوة على ذلك، يجب توضيح المسار الذي يسلكه المحتجزون بعد انتهاء فترة احتجازهم، كما يجب الإعلان عن المعلومات المتعلقة بإجراءات العدالة ونتائجها.
  • الامتثال لضمانات المحاكمة العادلة، باتباع إجراءات قضائية واضحة لجميع المحتجزين. ويشمل ذلك توضيح الأساس القانوني للاحتجاز، وتوجيه التهم في مرحلة الاعتقال، وضمان حصول المحتجزين على تمثيل قانوني، وتقديم المتهمين للمحاكمة في غضون فترة زمنية معقولة.
  • ضمان أن تكون ظروف احتجاز جميع المحتجزين آمنة وإنسانية. وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة نظراً لأن نظام السجون نفسه يمر بمرحلة انتقالية، ويخضع لإدارة جديدة وبروتوكولات مؤسسية مستحدثة.

يلتزم المركز السوري للعدالة والمساءلة بمواصلة رصد التطورات الجارية في إجراءات العدالة المتعلقة بالتعامل مع جرائم حكومة الأسد. وتماشياً مع هذا الالتزام، يقوم المنظمة بمراقبة المحاكمات في القضايا المنظورة أمام المحاكم السورية والمتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان، وذلك بهدف دعم جهود المساءلة. يدعو المركز الجمهور السوري إلى متابعة هذا الموضوع، والدعوة إلى الشفافية والحوكمة الرشيدة بشأنه في المدى القريب.

________________________________

للمزيد من المعلومات أو لتقديم ردود الأفعال والآراء، يرجى إدراج تعليقك في قسم التعليقات أدناه، أو التواصل مع المركز السوري للعدالة والمساءلة على [email protected]. كما يمكنكم متابعتنا على فايسبوك و تويتر. اشترك في نشرتنا الأسبوعية ليصلك تحديثات عن عمل المركز.