1 min read
كيف نوثق الفظائع المرتكبة في الحرب على غزة؟
صورة جويّة للدمار والخراب الذي طالَ مدينة غزة بسببِ الغارات الإسرائيلية - Al Araby, CC BY-SA 3.0

كيف نوثق الفظائع المرتكبة في الحرب على غزة؟

مع تحول انتباه العالم نحو الحصار التي تفرضه إسرائيل على قطاع غزة وقصفها المستمر له، آثر المركز السوري للعدالة والمساءلة أن يسخر هذا المنبر في توفير موارد من شأنها أن تساند الجهود المبذولة لتوثيق انتهاكات القانون الإنساني الدولي، ودعم أي عمليات تهدف إلى تحقيق المساءلة مستقبلا.  ومنذ أن أقدمت حركة حماس يوم السابع من تشرين الأول/ أكتوبر الجاري على قتل أكثر من 1400 إسرائيلي، جلهم من المدنيين، أوقعت الضربات الجوية العشوائية التي نفذتها إسرائيل أكثر من 8300 قتيل فلسطيني، وتسببت بنزوح ما يربو على مليون شخص (غالبيتهم من الأطفال).  كما حالت إسرائيل دون دخول جميع المساعدات الإنسانية تقريبا إلى القطاع خلال هذه الفترة، بما في ذلك منع وصول الوقود الضروري لإدامة عمل المستشفيات والمخابز. وتضاربت التقارير حول بعض الفظائع التي ارتكبتها قوات جيش الدفاع الإسرائيلي وحركة حماس خلال أحدث حلقة من حلقات العنف الدائر، والتي جاءت عقب عقود من احتلال اسرائيل للأراضي الفلسطينية ونظام الفصل العنصري الذي تفرضه عليها كما أشار الأمين العام للأمم المتحدة.

ومن بين تلك الوقائع التي تُحاط تفاصيلها بالكثير من الجدل، تبرز عملية قصف المستشفى الأهلي بمدينة غزة يوم 17 تشرين الأول/ أكتوبر التي أوقعت مئات القتلى بين الفلسطينيين ممن لجأوا إلى المستشفى عقب إطلاق قوات جيش الدفاع الإسرائيلي عدة تحذيرات لهم بإخلاء مناطق سكناهم.  وقدمت كل من حماس وقوات جيش الدفاع روايات متضاربة بخصوص سبب استهداف المستشفى.  وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة وغيرها من حكومات الدول الغربية سارعت إلى تأييد وراية الجيش الإسرائيلي، شككت استقصاءات مفتوحة المصدر قامت بها منافذ إعلامية رئيسية في أركان الرواية الإسرائيلية. كما اختلف المحللون المستقلون للمعلومات الاستخبارية المفتوحة المصدر حيال تفاصيل الواقعة حيث تداولت وسائل الإعلام معلومات توثيقية مفتوحة المصدر مفيدة للتحقيقات في قصف المستشفى الأهلي وغير ذلك من الفظائع التي تسببت بوقوع إصابات كثيرة في صفوف المدنيين، ولكن لم يتم تحديد طبيعة تلك المعلومات التوثيقية، وحفظها، والتحقق من مصداقيتها بطريقة تدعم أي عملية لتحقيق المساءلة قد تجرى مستقبلا. وما يزيد الأمر صعوبة هو قيام إسرائيل باستهداف بنية الاتصالات في القطاع وعزله عن العالم بين الفينة والأخرى والتعتيم على ما يجري داخله، وهو ما يتعذر معه توثيق ما وصفه مسؤولون أمميون بأنه جرائم حرب صريحة.

وليس هذا النوع من القضايا بغريب على عمل المركز السوري للعدالة والمساءلة الذي اعتاد على أمور مماثلة من وحي سابق خبرته في توثيق انتهاكات أحكام القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان المرتكبة في سياق النزاع السوري.  ولطالما كان التضليل الإعلامي إحدى العلامات الفارقة في النزاع السوري، وتوالى قيام الشركات المالكة لمنصات التواصل الاجتماعي بحذف المنشورات المرفوعة على فيسبوك، وتويتر، ويوتيوب التي كانت تمثل أرشيفا يوثق جرائم الحرب المزعومة.  ولعل مثل تلك التطورات كانت الدافع، ولو جزئيا، وراء إقدام المركز السوري على إعداد موارد مفتوحة المصدر بوسع المنظمات الحقوقية والناشطين الإعلامين استخدامها كي يسهل عليهم تحديد طبيعة المعلومات التوثيقية المفتوحة المصدر، وحفظها، والتحقق من مصداقيتها، كما تتوفر أدلة إرشادية مشابهة عبر الإنترنت.  وأعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا، أشار المركز إلى التجربة السورية في هذا السياق استباقا لما سترتكبه القوات الروسية من جرائم حرب في مسرح العمليات الجديد.  وها هو النزاع السوري يعود إلى الواجهة بكل أسف مع اكتفاء العالم بمتابعة ما تفرضه إسرائيل من حصار وعقاب جماعي حرصت الحكومة السورية على استهداف المدنيين السوريين بهما في مدن من قبيل حلب.

ونورد تاليا أهم التوصيات المنهجية الواردة في الدليل، وموارد مجانية متاحة عبر الإنترنت من أجل العمل على توثيق المعلومات المفتوحة المصدر كونها قد صُممت بحيث تصلح لاستخدامات الأفراد والمنظمات على حد سواء. ومن نافلة القول إن مثل هذه الموارد لا تضمن بالضرورة أن تبادر آليات العدالة الوطنية أو الدولية إلى الأخذ بها والاعتماد عليها من أجل محاسبة الجناة على ما اقترفوه من جرائم، ولكنها تصلح، ولو بالحد الأدنى، لمساندة جهود تحقيق المساءلة بمجرد أن تتبلور الإرادة السياسية لذلك.

التوثيق والحفظ

يكتسب حفظ المحتوى في المصادر المفتوحة أهمية خاصة نظرا لاحتمال المسارعة إلى حذفه دون سابق إنذار لأسباب متنوعة سواء من قبيل قيام المستخدم الأصلي بخذف المحتوى الذي رفعه عبر الإنترنت، أو قيام المنصة الإلكترونية بإزالة المحتوى المخالف لشروط الاستخدام الخاص بها.  ونورد تاليا بعض الخطوات التي تسهم في حفظ المصادر التوثيقية المفتوحة، وأرشفتها بشكل سليم وكامل قبيل المضي قدما إلى مرحلة التحقيق وما يرافقها من نسق العمل ومراحله:

1)    تحديد طبيعة المحتوى الذي يجب حفظه: صور فوتوغرافية، ومقاطع فيديو، ووثائق خطية، وما إلى ذلك.

2)    جمع المعلومات المطلوبة من أجل أرشفة المحتوى بشكل سليم يكفل تيسير عمليات البحث في قواعد البيانات مستقبلا، وذلك عن طريق تصنيف عناوين المحتوى مثلا، أو ووصفه، أو فئته، أو نوع الملف المستخدم في تخزينه.

مثال من إحدى قواعد البيانات (ملف بنسق برمجية اكسل):

3)    الاحتفاظ بثلاث نسخ على الأقل من كل المحتوى المخزن بما في ذلك الاحتفاظ بالنسخة الأصلية، ونسخة احتياطية تُخزن في موقع جغرافي مغاير حرصا على سلاسة استرجاع البيانات في حال حصول أعطال تقنية أو كوارث طبيعية.

4)    لدى حفظ المحتوى المفتوح المصدر وتوثيقه، لا بد من تحديد البيانات الوصفية بما في ذلك معرّف المصدر، أو الشخص الذي قام برفع البيانات عبر الإنترنت، ورابط المحتوى على الإنترنت، وعنوان المحتوى أو المادة، وتاريخ النشر، وأي معلومات وصفية (أو وصف مرفق) يمكن الحصول عليها من مضمون المحتوى نفسه من قبيل تاريخ التصوير، والموقع الجغرافي، وحجم الملف، ومدته (إذا كان ملفا مصورا أو صوتيا).

5)    من الضروري أن يتم توثيق وتسجيل طريقة الحصول على المحتوى المؤرشف أو المصنف، ومعالجة بياناته، وبيان جميع العمليات التقنية التي أُجريت عليه (سلسلة العهدة) وذلك توخيا لتعزيز قيمته ومصداقيته كدليل مقبول قضائيا.

ونورد تاليا عددا من الأدوات المتوفرة عبر الإنترنت كي تساعدكم في عمليات التوثيق والحفظ:

(archive.org): عبارة عن مكتبة رقمية عامة تتيح الولوج إلى طائفة واسعة من المحتوى القيم، وتنزيله من طرف العموم، وتحميل مواد رقمية أو تنزيلها من قواعد بياناتها.  ويتم جمع غالبية البيانات بشكل تلقائي (مؤتمت) باستخدام محركات البحث الآلي التي تحرص على الحفاظ على أكبر قدر ممكن من المحتوى المتوفر للعموم عبر الإنترنت. ويضم أرشيف الويب الخاص بهذه المكتبة الإلكترونية، والمعروف باسم (Wayback Machine)، أكثر من 728 مليار صفحة ويب بالإضافة إلى ما يتم تحميله من محتوى باستمرار.  ويمكن الاطلاع على الفيديو التعليمي حول استخدام هذه الأداة من هنا.

(Hunchly): عبارة عن أداة ويب (كاشطة) صُممت خصيصا لإجراء التحقيقات والاستقصاءات عبر الإنترنت.  ويعمل امتداد ملفاتها ضمن متصفح الويب، ويلتقط معلومات كل موقع إلكتروني تتم زيارته ويوثقها تلقائيا، وتضيف تعليقات توضيحية علاوة على خصائص وقدرات أخرى.

(Confier): عبارة عن خدمة للأرشفة أو التصنيف عبر الإنترنت تتولى إعداد نسخة تفاعلية من أي صفحة يزورها المستخدم، بما في ذلك المحتوى الذي يظهر من خلال زيارة الصفحات والتفاعل مع محتواها من قبيل المقاطع المصورة والصوتية التي تتم مشاهدتها أو الاستماع إليها، والانسدال بالقائمة إلى أسفل الصفحة، والنقر على مختلف الأزرار وهكذا دواليك.  وتحتفظ هذه الخدمة بالبيانات التي تتولى أرشفتها من خلال مزودي الخدمة المستخدمة لعرض المحتوى عبر الإنترنت، وتتيح للمستخدم إنشاء حساب مجاني بسعة تخزينية تعادل 5 غيغابايت.

(Bayanat): بوسع برمجية بياناتأن توفر للمنظمات التي تتولى جمع كم هائل من المعلومات التوثيقية بديلا عن أدوات أخرى في تبويب المعلومات التوثيقية، وتصنيفها، وإجراء التحليل المطلوب.  وبوسع المركز أن يقدم تدريبا على كيفية استخدام برمجية بيانات للمنظمات المهتمة بالموضوع.

التحقق

وقبل استخدام أي معلومات واعتبارها أدلة، يتعين أن يتم تمحيصها والتحقق منها للتأكد من دقتها ومدى موثوقيتها.  وعموما لا بد من تكرار طرح نفس الأسئلة في كل حالة من حالات التحقق من المعلومة، والاستعانة قدر الإمكان برأي خبراء فنيين مستقلين، والكيانات المحلية من قبيل الناشطين والمدافعين عن حقوق الإنسان، أو أعضاء فريق التحقيق في المؤسسة أو المنظمة المعنية.

  • أصل المحتوى: هل مادة المحتوى أصيلة؟  كيف حصلنا على المحتوى؟  وهل تم نشره على الإنترنت سابقا؟  ومتى ظهر هذا المحتوى أول مرة؟
  • مصدر البيانات: من قام برفع مادة المحتوى على الإنترنت؟  وهل الحساب المستخدم في رفع المحتوى معروف، ومتسق وله سابق تاريخ من النشاط عبر الشبكة، أم أنه مجرد حساب ظهر مؤخرا فقط؟  وهل تم التحقق من الهوية الحقيقية للحساب المعني؟
  • تاريخ الواقعة التي يصفها المحتوى ووقت حدوثها: هل تتوفر بيانات وصفية (ميتاداتا)؟  وما هي أحوال الطقس وهل تتسق مع النسق العام للمحتوى؟ وهل تتطابق الظلال في المقاطع أو الصور مع الوقت المزعوم لوقوع الحدث؟
  • موقع تصوير المحتوى: هل تتوفر بيانات وصفية بهذا الخصوص؟  وما هي الأدلة البصرية التي قد تساعد في تحديد الموقع؟
  • الأدلة الأخرى التي تؤيد ما يصفه المحتوى المزعوم: هل تتوفر معلومات من أي مصادر خارجية تؤيد ما يرد في المحتوى؟

ونورد تاليا بعض الأدوات المتوفرة عبر الإنترنت للتحقق من صدقية أي محتوى:

1. خاصية البحث العكسي في الصور:

توفر معظم محركات البحث خاصية البحث العكسي للصور، ويتيح بعضها نتائج أفضل بالاعتماد على المواقع الجغرافية، أو من خلال طرح خصائص إضافية في كل مرحلة من مراحل عملية البحث.  وعلى سبيل المثال، يتيح محرك (ياندكس) ومحرك (بينغ) للبحث عبر الإنترنت إجراء تعديل على الصورة قيد البحث العكسي، وهي خاصية لا يوفرها محرك غوغل.

2.  البحث العكسي في مقاطع الفيديو:

بالإمكان البحث في مقطع الفيديو باستخدام لقطات متعددة على الشاشة تصور المحتوى بالتزامن مع خاصية البحث العكسي في الصور.  ويشمل الدليل التدريبي الذي أعده المركز حول الموارد المفتوحة المصدر نصائح حول أفضل طرق توضيح إطار الصورة وتصوير اللقطات ضمن خاصية البحث العكسي في مقاطع الفيديو.

أدوات إضافية: برمجيات (InVID)، و( WeVerify) الملحقة (Plug-in) التي تعمل على تيسير عملية البحث العكسي في الصور ومقاطع الفيديو.

3.  تحديد الموقع جغرافيا

من الشائع أثناء التعامل مع المواد المفتوحة المصدر أن يتم العثور على محتوى تم تصويره في موقع معين ولكن يتم عرضه كما لو أنه حصل في مكان آخر.  وقد يتضمن مثل هذا المحتوى بيانات وصفية تشمل معلومات تحديد الموقع جغرافيا تفيد في تحديد عين المكان الذي التُقطت فيه المادة المصورة، غير أن معظم الشركات المالكة لمنصات التواصل الاجتماعي تعمد إلى حذف البيانات الوصفية لدى رفع المادة على منصاتها بحجة حماية خصوصية المستخدم، فضلا عن احتمال أن تكون البيانات الوصفية قد تم التلاعب بها.  لذا يتعين عليكم أن تحرصوا على تحليل كل جزئية من المحتوى المفتوح المصدر، والتحقق منها بشكل مستقل، وتحديد الموقع الجغرافي باستخدام الأساليب والتقنيات ذات الصلة. وقد يتضمن ذلك وضع علامات جغرافية، وتحديد معالم بارزة، وأسماء الأماكن، ولافتات الشوارع، وغير ذلك الكثير من العلامات الفارقة، ومن ثم مقارنتها بصور الأقمار الصناعية لتحديد موقع تصوير المحتوى على وجه الدقة.

تشمل الأدوات المستخدمة في تحديد الموقع جغرافيا:

Wikimapia

OpenStreetMap

Global Fire Map

MapAction

( Google Maps ,Google Earth Pro): يمكن عن طريق استخدام هذين التطبيقين تنزيل ملفات من نوع ( KML،وKMZ) واعتبارها امتدادا لملفات تطبيق "غوغل إيرث" بما يتيح للباحثين الجمع بين قدرات الأدوات المختلفة واستخدامها كخاصية مدرجة ضمن البرمجية نفسها.

ويمكن الاطلاع هنا على مثال لاستخدام الأساليب والأدوات الموصوفة أعلاه لتحديد المواقع الجغرافية لوقائع شهدت عمليات قصف باستخدام البراميل المتفجرة في سياق النزاع السوري.

4.  الوقت والتاريخ

ثمة الكثير من الطرق والأدوات التي تساعد في تحديد وقت وتاريخ التقاط الصورة أو تصوير المقطع بما في ذلك بيانات المحتوى الوصفية، والصور العكسية، ومقاطع الفيديو العكسية، وصور الأقمار الصناعية (حيث بوسعكم أن تقدروا الوقت بدقة أكبر إذا تسنى لكم الحصول على صورتين لعين المكان قبل الواقعة وبعدها)، وغير ذلك من الأدلة والبراهين التي ترد تفاصيلها في الدليل التدريبي المدرج ضمن حزمة "الموارد المفتوحة المصدر" من إعداد المركز.

كما من المندوب أن يتم تقدير الوقت باستخدام الظلال الواردة في الصور.  وثمة أدوات برمجيات من قبيل (Suncalc) مزودة بخاصية تحديد الوقت بالاستعانة بالظلال (يتوفر فيديو تعليمي بالعربية حول الموضوع من خلال الرابط هنا).  ولتقدير الوقت باستخدام الظلال، لا بد من توافر معلومات اساسية حول الموقع الجغرافي لتصوير المحتوى وتاريخ التقاط الصور.  كما أنه لا غنى عن الحصول على صورة ملتقطة من زاوية مثالية تظهر الظلال فيها متعامدة مع الجسم الأصلي، وحينها يمكن استخدام أداة من قبيل (https://eleif.net/photo_measure.html) لقياس أبعاد الصورة وأطوالها.

ولكن قد يتعذّر أحيانا الحصول على صورة مناسبة لاستخدام هذه الطريقة في تقدير الوقت.  وعليه، فمن المحبذ حينها استخدام برمجية ( Shadow Calculator) التي توفر محاكاة لشكل الظل، وطوله، واتجاه سقوطه وتعامده في وضح النهار، الأمر الذي يتيح رسم شكل الظل وتعقب التغير الذي يطرأ على طوله وزاوية سقوطه بمرور الوقت.

________________________________

للمزيد من المعلومات أو لتقديم ردود الأفعال والآراء، يرجى إدراج تعليقك في قسم التعليقات أدناه، أو التواصل مع المركز السوري للعدالة والمساءلة على [email protected]. كما يمكنكم متابعتنا على فايسبوك و تويتر. اشترك في نشرتنا الأسبوعية ليصلك تحديثات عن عمل المركز.