1 min read
لنكرّم الضحايا بإقامة محاكمات عادلة وصارمة

لنكرّم الضحايا بإقامة محاكمات عادلة وصارمة

نُشر أولا في 12 آب / أغسطس 2026، بقلم نائب مدير المركز السوري للعدالة والمساءلة، أويس الدبش، الذي حضر عدّة جلسات من محاكمة عاطف نجيب.

اليوم، قبل الحكم، أتذكر الضحايا

الحكم الصادر اليوم بحق عاطف نجيب ليس مجرد حكم قضائي على أحد مسؤولي النظام السابق؛ وقبل أن نتحدث عن العقوبة أو عن دلالات الحكم السياسية والقانونية، يجب أن نتذكر الضحايا وعائلاتهم، وفي مقدمتهم أطفال درعا الذين ارتبطت قضيتهم ببدايات المأساة السورية.

هؤلاء هم أصحاب الحق الأول في العدالة، وهم الذين دفعوا الثمن الأكبر طوال سنوات طويلة من القمع والعنف والإفلات من العقاب.

وفي هذه المناسبة، أود أن أتوجه بالشكر إلى القاضي فخر الدين العريان الذي أدار جلسات المحاكمة وأشرف على الدعوى، في ظروف لم تكن سهلة، وبما هو متاح من إمكانات قانونية ومؤسساتية، وفي مواجهة تحديات متعددة وعلى مستويات مختلفة. ويمتدّ شكري كذلك إلى القضاة الموقّرين وهيئة المحكمة. إذ إنّ إدارة مثل هذه القضايا، في هذه المرحلة الحساسة من تاريخ سوريا، ليست مهمة بسيطة، وأعتقد أن الجهد المبذول يستحق التقدير.

ومن هنا نثني على أهمية ما قامت به وزارة العدل والزملاء في مديرية التعاون الدولي، وكل الشكر لهم، من تسهيل ودعوة وصول منظمات المجتمع المدني والمراقبين إلى جلسات المحاكمة. إن السماح بالمراقبة المستقلة، وتسليط الضوء على الجوانب الإيجابية والتحديات والملاحظات القانونية والإجرائية، هو شكل مهم من أشكال الشفافية التي نحتاج إلى تعزيزها في هذه المرحلة.

لكن في الوقت نفسه، علينا ألا نعتبر هذه المحاكمة نقطة وصول، بل نقطة بداية.

ما زال أمامنا الكثير من العمل لتطوير منظومة المحاكمات المتعلقة بالجرائم الجسيمة، ووضع أسس قانونية وإجرائية أكثر وضوحاً واتساقاً، وتوفير إطار متكامل للعدالة الانتقالية.

ونحن بانتظار إقرار قانون العدالة الانتقالية قريباً، والذي يجب أن يشكل الإطار الذي تنتظم ضمنه هذه الجهود، وأن يضمن أن تكون المحاسبة جزءاً من عملية وطنية أوسع للعدالة والحقيقة وجبر الضرر وعدم التكرار.

وفي هذا السياق، أعتقد أن من المهم التأكيد على أن الالتزام بأسس المحاكمات العادلة ليس من أجل المحكوم المجرم عاطف نجيب أو أي متهم آخر بحد ذاته؛ وإنما من أجل الضحايا ومن أجل بناء سوريا القانون.

فالالتزام بضمانات المحاكمة العادلة لا ينتقص من حقوق الضحايا ولا يخفف من خطورة الجرائم المرتكبة. على العكس، هو ما يجعل العدالة أكثر قوة ومصداقية واستدامة.

المحاكمة العادلة تعني أيضاً أن يعرف أهالي الضحايا ما الذي حدث بالضبط: كيف ارتُكبت الجرائم، ومن اتخذ القرارات، ومن نفذها، وما هي مسؤولية كل شخص. ولهذا فإن المحاكمات في قضايا الانتهاكات الجسيمة لا تنتج أحكاماً فقط؛ بل يمكن أن تنتج سجلاً قضائياً وتوثيقاً تاريخياً لما حدث في سوريا.

وفي هذا الصدد، يمكن النظر إلى تجارب مثل الأرجنتين، حيث أصبحت محاكمات جرائم الديكتاتورية مصدراً مهماً لتوثيق الحقيقة وبناء الذاكرة الجماعية، إلى جانب تحقيق المساءلة الجنائية. وقد طورت تلك المحاكمات، على مدى سنوات، اجتهاداً قضائياً أصبح مرجعاً مهماً في التعامل مع جرائم الماضي.

كما أظهرت بعضُ التجارب، مثل محاكمات الحقيقة في الأرجنتين، أن الإجراءات القضائية يمكن أن تؤدي وظيفة تتجاوز العقوبة، من خلال إتاحة المجال للناجين وأفراد عائلات الضحايا للإدلاء بشهاداتهم وإعادة بناء الحقيقة حول ما حدث.

ومن هنا نثني على أهمية ما قامت به وزارة العدل والزملاء فيها وكل الشكر لهم، من تسهيل وصول منظمات المجتمع المدني والمراقبين إلى جلسات المحاكمة. إن السماح بالمراقبة المستقلة، وتسليط الضوء على الجوانب الإيجابية والتحديات والملاحظات القانونية والإجرائية، هو شكل مهم من أشكال الشفافية التي نحتاج إلى تعزيزها في هذه المرحلة.

ليس المطلوب أن تكون المحاكمات الأولى كاملة أو خالية من التحديات. المطلوب أن نتعلم منها، وأن نعمل على تطوير المؤسسات والقوانين والإجراءات بحيث تصبح المحاكمات القادمة أكثر وضوحاً، وأكثر التزاماً بالمعايير القانونية، وأكثر قدرة على تحقيق حقوق الضحايا وضمانات المتهمين في آن واحد.

فالعدالة الانتقالية لا تُبنى بحكم واحد، وإنما بسلسلة من الإجراءات والمؤسسات والقواعد التي تؤسس لدولة القانون.

اليوم، نحيي ذكرى الضحايا وحقوقهم، ونقدّر جهود القائمين على هذه المحاكمة، ونرحب بما تحقق من خطوات نحو المساءلة.

لكننا في الوقت نفسه نقول بوضوح:

الطريق ما زال طويلاً، والعمل الحقيقي لبناء منظومة عدالة انتقالية سورية ذات مصداقية بدا للتو ويحتاج إلى الكثير من العمل والتطوير، فهي مسؤولية جماعية علينا جميعا.

________________________________

للمزيد من المعلومات أو لتقديم ردود الأفعال والآراء، يرجى إدراج تعليقك في قسم التعليقات أدناه، أو التواصل مع المركز السوري للعدالة والمساءلة على [email protected]. كما يمكنكم متابعتنا على فايسبوك و تويتر. اشترك في نشرتنا الأسبوعية ليصلك تحديثات عن عمل المركز.