داخل محاكمة استئناف قضية حسناء أ.، #2: جرحٌ لن يندمل
محاكمة حسناء أ.
محكمة مقاطعة لاهاي – بادهوفيدورب، هولندا
التقرير الثاني لمراقبة المحاكمة
تاريخ الجلسة: 10 شباط/فبراير 2024
تحذير: قد تتضمن بعض الشهادات توصيفاتٍ حيّةً للتعذيب أو الاغتصاب أو صورٍ أخرى من العنف.
يُرجى ملاحظة أن هذا التقرير ليس نسخة حرفية لمحضر المحاكمة؛ بل مجرّد ملخّص غير رسميّ لجلسات المحاكمة.
في هذا الموجز، [المعلومات الموجودة بين قوسين معقوفين هي ملاحظات من مراقبينا في المحكمة] و«المعلومات الواردة بين علامتي اقتباس هي أقوال أدلى بها الشهود أو القضاة أو المحامون». وحُجبت أسماء الشهود والمعلومات التي قد تحدّد هويتهم.
[ملحوظة: يقدّم المركز السوري للعدالة والمساءلة موجزا للإجراءات مع حجب بعض التفاصيل حمايةً لخصوصية الشهود وصَونًا لنزاهة المحاكمة.]
للاطلاع على تقارير جلسات المحاكمة الأولى، يرجى زيارة قضية حسناء أ. في موقع المركز السوري للعدالة والمساءلة. أمّا تقارير محاكمة الاستئناف فهي ثمرةُ شراكة بين المركز السوري للعدالة والمساءلة وعيادة العدالة الجنائية في جامعة أمستردام بهولندا.
يسرد التقرير الثاني للمركز السوري للعدالة والمساءلة لمراقبة المحاكمة وقائع اليوم الثاني من محاكمة استئناف حسناء أ. في بادهوفيدورب بهولندا. ركّز اليوم الثاني من محاكمة الاستئناف على إفادة المدعية (ز)، التي عُرِضت من خلال محاميتها وفيديو مسجل مسبقًا، والتي وضعت التهم الموجهة إلى حسناء أ. في سياق أوسع لجرائم داعش ضد الإيزيديين. ثم تناول الادعاء العام مسألة الولاية القضائية، وتقييم الأدلة، والقانون الدولي والمحلي المعمول بهما، مؤكدًا أن المتهمة ساهمت عن علم في ممارسات داعش، ومنها استعباد (ز)، وتتحمل المسؤولية الجنائية عن جرائم ضد الإنسانية، وجرائم متعلقة بالإرهاب، وتعريض طفلها للخطر. وطالب الادعاء العام بعقوبة السجن عشر سنوات وتعويضات عن الأضرار، مشددًا على أهمية القضية في تحقيق المساءلة والاعتراف بالضحايا الإيزيديين.
اليوم الثاني – 10 شباط/فبراير 2026
عُقدت جلسة اليوم الثاني من المحاكمة في مجمع سخيبول القضائي، بادهوفيدورب، هولندا، أمام دائرة الجرائم الدولية التابعة لمحكمة لاهاي الابتدائية. بدأت الجلسة في تمام الساعة 10:30 صباحًا.
اعتذر القاضي عن التأخير وقدّم لمحة عامة عن جدول أعمال اليوم. كانت أولى القضايا المطروحة هي حق المدعية (ز) في الكلام، والذي ستُقدّمه محاميتها، الدكتورة بريختْيِه فوسنبرج. وستتحدث (ز) أمام المحكمة عبر فيديو مُسجّل مسبقًا. بعد ذلك، سيتناول الادعاء العام دعوى المدعية. وسيحضُر مترجمان شفويان.
استمعت المحكمة إلى فوسنبرج وهي تتحدث نيابةً عن المدعية (ز). وأكدت محامية المدعية أن التهمة الموجهة ضد المتهمة، حسناء أ.، لا يمكن فصلها عن سياق الإبادة الجماعية بحق الإيزيديين في سوريا. وحذّرت من مخاطر تجاهل قادة العالم للقانون الجنائي الدولي، وأهمية تذكر ما حدث للإيزيديين في سوريا. وقدّمت فوسنبرج تفاصيل العمل الذي قامت به منظمات مثل فريق التحقيق التابع للأمم المتحدة (يونيتاد) (UNITAD) ومنظمة (يزدا) لجمع الأدلة وحفظها لتقديمها في المحاكمة. وشددت على أهمية هذه القضية لكل من الطائفة الإيزيدية والنظام القانوني الدولي، إذ تُظهر ما يُمكن تحقيقه عندما يعمل النظام بشكل صحيح.
ورغم أن (ز) لم تتمكن من حضور الجلسات لظروف شخصية، فقد أعدّت إفادة لتتلوها فوسنبرج في المحكمة. وفيما يتعلق بالجلسات، فقد وصفت (ز) شعورًا مختلطًا بين الفرح والحزن. فبينما أعربت عن ارتياحها لمثول المتهمة أمام المحكمة، إلا أن رؤيتها مجددًا في المحكمة للمرة الأولى في تشرين الأول/أكتوبر 2024 أثارت لديها مشاعر جياشة. ثم استعرضت فوسنبرج خلفية (ز) الشخصية. فبعد بدء هجوم داعش، فرّت (ز) إلى منطقة سنجار. وفي اليوم التالي، اختُطفت مع أطفالها ونُقلت إلى الرقة، حيث فُصلت عنهم. وأُعطِيت إلى [حُجب الاسم]، F3، وأُجبرت على اعتناق الإسلام. وكانت المتهمة متزوجة من [حُجب الاسم]، F4، وانضمت طواعيةً إلى داعش، بينما لم يكن أمام (ز) خيار. كانت حسناء أ. تعلم أن (ز) لم تتقاضَ أجرًا ولم تستطع المغادرة طالما كان أطفالها في الأسْر.
شعرت (ز) بالضيق لأن المتهمة استمرت في إنكار ما فعلته بها في المحكمة أمس. وردّا على ذلك، ذكرت (ز) أنها رأت المتهمة "ترقص فرحًا عندما رأت مقاتلي داعش". ووصفت (ز) تجربتها بأنها جرحٌ لن يندمل، وظلمٌ لا يمكن إصلاحه. وشعرت بخيبة أمل لأن العقوبة التي صدرت عن المحكمة الابتدائية بحق المتهمة اقتصرت على السجن ثماني سنوات. ورغم أنها ترى أن الحكم بالسجن لعشر سنوات يُعدّ تحسّنًا، إلا أنها لا تعتقد أن هناك مدة سجن كافية تتناسب مع جرائم المتهمة. ولأن (ز) لم تتمكن من الحضور إلى المحكمة، فقد رتبت لعرض فيديو مسجل مسبقًا تتحدث فيه أمام المحكمة.
ثم عرضت المحكمة الفيديو المسجل على الشاشات الأمامية. في الفيديو، سُمع صوت (ز) وعُرضت صورة معبد "لالش"، وهو معبد مقدس لدى الطائفة الإيزيدية. كانت هناك ترجمة مكتوبة باللغة الهولندية، وتلاها مترجم شفوي بصوت عالٍ بالهولندية حتى يتمكن من يجلسون بعيدًا عن الشاشة من المتابعة. إلا أن المترجم الشفوي لم يتمكن من مواكبة سرعة الفيديو، فقرر القاضي إعادة عرض الفيديو ليتمكن الناطقون بالهولندية من قراءة الترجمة. وبعد انتهاء الفيديو، سأل القاضي المحاميةَ فوسنبرج عمّا إذا كانت موكلتها (ز) ستتصل هاتفيا. ثم أخذت المحكمة استراحة لمدة عشر دقائق لإتاحة الفرصة لفوسنبرج للتواصل مع موكلتها.
***
[استراحة لمدة عشر دقائق]
***
بعد الاستراحة، أكدت فوسنبرج أن موكلتها لن تتصل هاتفيا. طلب القاضي من ممثلَي الادعاء العام تقدير الوقت الذي سيحتاجانه. فقالا إنهما ستحتاجان إلى ثلاث ساعات كحد أقصى لاستعراض 56 صفحة، مع الأخذ في الاعتبار الوقت الذي ستستغرقه الترجمة الشفوية لكل شيء.
بدأ أحد المدعيين العامين مرافعته بالتأكد من أن كلامه كان مسموعا لمن يجلسون في شرفة الجمهور. ولأن المترجم لم يضغط الزر الصحيح، لم يتمكن الحضور من متابعة ما قاله. فأعاد مرافعته، موضحًا أن هدف الادعاء العام هو المساهمة في تحقيق العدالة للمكوّن الإيزيدي. ولحماية الضحايا، ستُستخدم اختصارات للإشارة إلى الأسماء. ثم عرض المدعي العام المعلومات الأساسية ذات الصلة، موضّحا أنه حتى عام 2026، لا يزال أكثر من ألفي إيزيدي في عداد المفقودين. وتحدث عن كيفية فصل الفتيات من سن التاسعة فما فوق عن أمهاتهن. وأشار أعضاء تنظيم داعش إلى الإيزيديات بكلمة "غنائم الحرب" و"سبايا".
ثم انتقل المدعي العام إلى القانون الواجب التطبيق وأسس الولاية القضائية للمحاكمة. فيما يتعلق بالوقائع الثلاث الأولى (تهمة الاستعباد بصفتها جريمة ضد الإنسانية، والمشاركة في منظمة إرهابية، والأفعال المرتكبة بالتشارك مع آخرين)، لم تكن الولاية القضائية للمحكمة محل نزاع. وبناءً على ذلك، طلب المدعي العام الاكتفاء بمناقشة الواقعة الرابعة (تهمة إحضار وترك مُعال في حالة عجز). فأجاب القاضي رئيس المحكمة بأنه يرغب في مناقشة جميع الوقائع، لكن بإمكان المدعي العام الرجوع إلى مرافعاته المكتوبة فيما يتعلق بالحجج الداعمة.
ثمّ شرع المدعي العام في عرض أسس الولاية القضائية للواقعة الرابعة. فاستنادًا إلى المادة 255 من قانون العقوبات الهولندي، يُمكن إثبات الولاية القضائية خارج الحدود الإقليمية لجريمة إحضار وترك مُعال في حالة عجز إذا كان الفعل غير المشروع يتعلق بمجموعة الوقائع الأساسية نفسها. قاطع القاضي رئيسُ المحكمة المدعيَ العام طالبًا منه إجراء المزيد من الوقفات القصيرة حتى يتمكن المترجم الشفوي من اللحاق به. جادل المدعي العام بأن "إحضار" مُعال في حالة عجز يرتبط ارتباطًا وثيقًا بـ"تركه" في تلك الحالة. ولأن حسناء أ. أنجبت طفلها في هولندا، وسافرت من هناك للانضمام إلى "دولة الخلافة"، فإن الفعل غير المشروع قد بدأ في هولندا. ادعى المدعي العام أن حسناء أ. انتهكت واجباتها بصفتها والدة بموجب القانون الهولندي باصطحابها طفلها إلى "دولة الخلافة". ومن خلال عدم إنهاء حالة العجز التي كان فيها طفلها، يمكن تحميلها مسؤولية "تركه" في تلك الحالة، وهو ما يُصنّف جريمةً مستمرة. وأشار المدعي العام إلى المادة 483 من قانون العقوبات السوري التي تتضمن حُكمًا مماثلًا بشأن السلطة الأبوية.
ثم طلب المدعي العام من رئيس المحكمة الإذن بتجاوز جزء من مرافعته وتناول ذلك الجزء لاحقًا. فوافق القاضي على ذلك، شريطة أن يُدلي المدعي العام شفويا بالحجج والاستنتاجات ذات الصلة.
في القسم التالي، وصف المدعي العام تقييم أدلة الشهود في القضايا الجنائية المتعلقة بالجرائم الدولية. وفيما يخص إفادة الشاهدة (ز)، فقد أدلت بشهادتها عدة مرات، كانت أولها في فريق التحقيق التابع للأمم المتحدة (يونيتاد) (UNITAD). وقد وُجد أن أقوالها متّسقة بما فيه الكفاية. وكان القاضي قد قرر سابقًا أن أقوال المتهمة تختلف بشأن عدد مرات وجود (ز) في منزلها، إلا أن أقوال (ز) اعتُبرت موثوقة. وفي حالة المدعية الثانية (س) في المحاكمة الابتدائية، فقد برّأت المحكمةُ المتهمةَ من الجرائم المنسوبة إليها بسبب تضارب الأقوال التي أدلت بها (س) بشأن الأفعال التي ارتكبتها المتهمة. وتتعلق هذه التناقضات بجزء من الأفعال غير القانونية للمتهمة، وهو أمر حاسم في تحديد العقوبة، ألا وهو ممارسة حقوق الملكية على (س). غير أن المدعي العام أكّد أن هذه التناقضات لا تعني عدم إمكانية استخدام إفادة (س)، إذ إنها دعمت إفادة (ز) في نقاط رئيسية.
ثم انتقل المدعي العام إلى أقوال المتهمة. إذ ذكرت المتهمة، في الاستجواب الرابع، أنها دَرَست تنظيم داعش، لكنها لم تكن على دراية كاملة بأنشطته، وقدّمت أقوالًا متضاربة حول مستوى معرفتها. وفي اليوم الأول من هذه المحاكمة، ذكرت المتهمة أنها كانت على علم بنشاط داعش بسبب التغطية الإخبارية في ذلك الوقت. وأكّد المدعي العام أن المتهمة غادرت للانضمام إلى "دولة الخلافة" في نفس وقت الحادثة الشهيرة لإعدام الصحفي الأمريكي جيمس فولي بقطع رأسه على يد مقاتلي داعش، وأنه كان من الصعب ألا تكون على دراية بهذه الأعمال الوحشية. وأشار المدعي العام كذلك إلى أقوال الشاهدين [حُجب الاسمان]، W2 وW3، اللذين كانا يعرفان المتهمة، وأدليا بشهادة مفادها بأنها كانت تشجّع الطلاب الآخرين في المدرسة على دراسة فكر داعش، وقالت إنه يجب القضاء على الكفار. وشدّد المدعي العام على أنه لا يوجد سبب للتشكيك في أقوال (س) و(ز)، إذ إن أقوالهما أيّد بعضُها بعضًا في حقائق رئيسية. وبينما صرّحت المتهمة بأنها لم تتمكن من مغادرة "دولة الخلافة" (في اليوم الأول قالت إنها لم تكن "إجازة")، جادل المدعي العام بأن إجاباتها عن الأسئلة في المحكمة كشفت أن وجودها في "دولة الخلافة" لا يندرج ضمن القوة القاهرة.
بالإضافة إلى ذلك، استند المدعي العام إلى مراسلات بين المتهمة ووالدها بعد إقامتها في "دولة الخلافة"، ليُثبت تأييدها لفكر تنظيم داعش. فعلى سبيل المثال، أرسلت صورة لابنها وهو يرتدي نفس الملابس التي يرتديها عناصر التنظيم. وفي جلسة المحاكمة السابقة، ذكرت المتهمة أن هذه هي الصورة الوحيدة التي تملكها لابنها. وأرسلت رسائل إلى والدها تحثه فيها على إحضار عمتها، مُشيرةً إلى أن حياة عمتها ستكون أفضل في "دولة الخلافة" منها في هولندا. وعلاوة على ذلك، استخدمت المتهمة كلمة "الكفار" في رسائل نصية مع والدها. ووفقًا للمدعي العام، قالت لوالدها: "بسم الله، سنكون جميعًا شهداء".
ثم انتقل المدعي العام للرد على بقية شهادة المتهمة. إذ بُرّئت المتهمة من التهمتين (هـ) و(و). وهنا، قاطع رئيسُ المحكمة المدعيَ العام ليسأله عن تفاصيل هاتين التهمتين. تعلقت التهمة (هـ) بالمشاركة في قتال مسلح لتنظيم داعش، بينما تعلقت التهمة (و) باستخدام الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي لنشر محتوى جهادي مسلح. أما التهمة (ز) فكانت تتعلق بحمل السلاح، وسيأتي على ذكرها بمزيد من التفصيل. وفي حين أفادت المتهمة بأن زوجها قال لها إنها كانت مضطرة لحمل السلاح لحماية نفسها، أثار المدعي العام تساؤلًا حول ما الذي كان على المتهمة حماية نفسها منه.
علاوة على ذلك، أشار المدعي العام إلى أن المتهمة سافرت بهدف دعم القتال الذي يخوضه تنظيم داعش، وبالتالي كان هناك على الأقل ما يبرر اتخاذها قرارًا واعيًا. ونظرا لأن تنظيم داعش نفسه قد أفاد بأن كل مساهمة من النساء داخل "دولة الخلافة" وخارجها ضرورية، فإن المتهمة قد ساهمت عن علم في استمرار وجود "دولة الخلافة". وحاجج المدعي العام، تماشيًا مع قضية آمبر ك.، أن هناك تواطؤًا في الجريمة منذ لحظة زواج المتهمة من زوجها، إذ كانا مسؤولين معًا عن شؤون منزلهما. ويتعلق التقييم القانوني لهذا الأمر بالتعاون الوثيق بين F3 والمتهمة، والذي يشكل في جوهره عملًا مشتركًا.
اختتم المدعي العام الأولُ مرافعتَه بالإشارة إلى سقوط تهمة تعريض طفلها وتركه في حالة عجز تام، وذلك بموجب القانون الهولندي. ثم سأل المدعي العام القاضيَ عمّا إذا كان بإمكانه تجاوز جزء من المرافعة لأنه يرغب في تناوله في الرد لاحقا لأنه يتطلب مزيدًا من التوضيح. ورغم موافقة القاضي، إلا أنه طلب من المدعي العام اتخاذ موقف حتى يتمكن الدفاع من الاستعداد بشكل كافٍ. فسأل المدعي العام عمّا إذا كان بإمكانه فعل ذلك في نهاية لائحة الاتهام ليتمكن من مناقشته خلال الاستراحة. فوافقت المحكمة على ذلك. ثم اقترح القاضي استراحة غداء مدتها 40 دقيقة، وتأكّد من كفاية هذا الوقت للادعاء والدفاع.
***
[استراحة لمدة 40 دقيقة]
***
بعد الاستراحة، استأنف المدعي العام الثاني المرافعةَ بتناول الأساس القانوني لجريمة الاستعباد. استهلّ المدعي العام مرافعتَه بالتأكيد على أن مجلس النواب الهولندي لم يعترف بالإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية المرتكبة ضد السكان الإيزيديين إلا في عام 2021. ثمّ استعرض المدعي العام السياق المحيط بهذه الجريمة. فقد نصّت اتفاقيات نورمبرغ على أن التعذيب ليس شرطًا أساسيا لإثبات الاسترقاق. وورد ذكر الاسترقاق في اتفاقيات جنيف، وأدرجته كلٌّ من لوائح نورمبرغ وطوكيو ضمن الجرائم ضد الإنسانية. وفي القانون الهولندي للجرائم الدولية، يُعرَّف الاستعباد بأنه ممارسة حقوق الملكية على شخص آخر، مع التركيز بشكل خاص على النساء والأطفال. أما الجرائم ضد الإنسانية، كما وردت في نظام روما الأساسي، فتتميز عادةً بعناصرها السياقية، أي أن الفعل غير المشروع يجب أن يقع في سياق هجوم "واسع النطاق" و"منهجي" ضد السكان المدنيين.
وقد أظهرت السوابق القضائية الدولية أن المعاملة ليست شرطًا لإثبات الاستعباد. ففي قضية أونغوين، رأت المحكمة الجنائية الدولية أن "حرمانًا مماثلًا من الحرية" يكفي. وعلى غرار ذلك، حاجج المدّعي العام بأن العنف أو الإساءة ضد المستعبدين ليسا حاسمين، وأن جوهر الجريمة هو سلبُ الضحيةِ الإرادةَ والاستقلالية.
بالانتقال إلى شهادة المتهمة، أكد المدعي العام مجددًا أنها نفت إعطاءها أوامر لـ(ز) بالقيام بالأعمال المنزلية ورعاية F2 [ابن حسناء أ.]. ومع ذلك، فإن أقوال (س) المؤيدة تعزز الادعاء بأن المتهمة استغلت (ز) عندما علمت أن الأخيرة كانت مستعبدة. وأضاف المدعي العام "إضافة شخصية ومهنية" مفادها أن (ز) أدلت بشهادة متوازنة/دقيقة، ولو أرادت الكذب، لكان بإمكانها المبالغة في روايتها. فقد كانت (ز) تعمل لأكثر من اثنتي عشرة ساعة يوميا في حالة من الخوف، وشهدت بأنها وغيرها من المستعبدين لم يكونوا يعلمون "ما إذا كانوا سيضربوننا، أو يشتروننا، أو يبيعوننا، أو يقتلوننا". هنا، تأكد المدعي العام من أن المترجم لا يزال قادرًا على المتابعة. واستكمل مرافعته مشيرًا إلى أن (ز) شهدت سابقًا بأنها أُجبرت على أداء الصلوات الخمس كل يوم. وأفادت بأن زوج المتهمة كان يناديها بـ"السبية". وشهدت (ز) بأن المتهمة، بصفتها زوجة مقاتل في داعش، كانت تتمتع بحرية التنقل. وأخبرتها المتهمة أيضًا أنها كانت تعرف إيزيديين وأنها درست معهم في المدرسة.
شرع المدعي العام في اختبار سلوك المتهمة وفقًا للعناصر "السياقية" لجريمة الاستعباد التي تُعدّ من الجرائم ضد الإنسانية، بموجب المادة 7(1)(ج) من نظام روما الأساسي. أولًا، يُصنَّف الهجوم على الطائفة الإيزيدية هجومًا واسع النطاق ومنهجيّا. وقد وصف تنظيم داعش الاستعبادَ بأنه إعادة إحياء لممارسات إسلامية قديمة. ونظرًا لحجم الهجوم ونطاقه، يمكن تصنيفه هجومًا على السكان المدنيين. ويمكن استنباط الطبيعة المنهجية للهجوم من منشورات ولوائح تنظيم داعش الرسمية. علاوة على ذلك، تورّط الجهاز الإداري لتنظيم داعش في جميع جوانب الهجوم على الإيزيديين. وتتطلب جريمة الاسترقاق ضد الإنسانية وجود صلة بين أفعال الجاني والهجوم واسع النطاق والمنهجي. ولذلك، كان لا بدّ من دراسة خصائص الأفعال وأهدافها وطبيعتها وعواقبها. وحاجج المدعي العام أن أفعال المتهمة تجاه (ز) كانت ترتبط ارتباطًا وثيقًا بنمط أفعال تنظيم داعش. واستند في ذلك إلى نقطتين: أولًا، علمت المتهمة بأن (ز) كانت مستعبدة. ثانيًا، علمت المتهمة بوجود هجوم على الإيزيديين. قاطع القاضي المدعيَ العام طالبًا منه التريث وإتاحة الوقت للمترجم لمواكبة سرعته في الكلام.
ثم سرد المدعي العام التسلسل الزمني للأحداث. فقال إنه بين أيار/مايو وتشرين الأول/أكتوبر 2015، احتُجزت (ز) بصفتها عبدةً وتلقّت أوامر من المتهمة. واستند المدعي العام إلى تقرير "مراعاة الفروق الدقيقة من خلال التدريب والمشورة" (NTA)، الذي أثبت أن المتهمة كانت تعاني إعاقة ذهنية طفيفة، وأن انضمامها إلى "دولة الخلافة" كان بدافع الهروب. وأكد التقرير على ضرورة خضوعها لرعاية مكثفة طويلة الأمد. وافق الادعاء العام على أن هذا يُخفف قليلًا من درجة الذنب الذي تتحمله المتهمة. وأكد المدعي العام على ضرورة مراعاة الفترة التي قضتها المتهمة في مخيم الهول. ومع ذلك، شدد المدعي العام أيضًا على أن هذه القضية تتعلق بإحدى الجرائم الأساسية ضد المجتمع الدولي، ألا وهي الاستعباد الذي يُعد جريمة ضد الإنسانية.
واختتم المدعي العام مرافعتَه بالقول إن كافّة الحاضرين حضروا إلى المحكمة بإرادتهم الحرة. وردّا على ذلك، أشار أحد القضاة إلى المتهمة. وشدّد المدعي العام على ضرورة ضمان "سماع صوت الطائفة الإيزيدية هنا في هولندا". وأشار المدعي العام إلى التناقض في شخصية المتهمة؛ فعندما تُسأل أسئلة تُناسبها، مثل تلك المتعلقة بتجربتها في المخيمات، كانت المتهمة تُجيب بحماس. أما عندما تُسأل أسئلة تُعيق قضيتها، فتدّعي المتهمة عدم معرفتها بما كان يحدث وتُصوّر نفسها على أنها ضحية لتنظيم داعش. وقال المدعي العام إنه وجد هذا الأمر مؤلمًا نيابةً عن (ز)، إذ إن هذا لا ينصفها. وطالب المدعي العام بالسجن عشر سنوات، وتعويضات قدرها 30 ألف يورو بالإضافة إلى الفوائد القانونية.
سيُعقد يوم المحاكمة القادم في 11 شباط/فبراير 2026.
[ملاحظة: بعد انتهاء المحاكمة، توجه المدعيان العامان إلى شرفة الجمهور لتلقي أسئلة من الحضور. وكان من بين الحضور كثيرٌ من أفراد الطائفة الإيزيدية. وبينما أعربوا عن أن اليوم الثاني من المحاكمة تسبب لهم بقدر أقل من الضيق من اليوم الأول، إلا أنهم رأوا أن عقوبة السجن عشر سنوات "مخففة للغاية" بالنظر إلى خطورة الجرائم. وأوضح المدعيان العامان أن متوسط العقوبة في هولندا لمن يسافرون للانضمام إلى تنظيم داعش هو أربع سنوات. ونظرًا لخطورة التهم، طالب الادعاء العام بعقوبة السجن عشر سنوات. وعلى سبيل المقارنة، تصل عقوبة الإبادة الجماعية في هولندا إلى خمس عشرة سنة. وكان من بين الحاضرين أشخاص استعبدهم تنظيم داعش، وقد شككوا في رواية المتهمة للأحداث لأنه بموجب الشريعة الإسلامية، كان بإمكانها أن تعتق العبيد.]
________________________________
للمزيد من المعلومات أو لتقديم ردود الأفعال والآراء، يرجى إدراج تعليقك في قسم التعليقات أدناه، أو التواصل مع المركز السوري للعدالة والمساءلة على [email protected]. كما يمكنكم متابعتنا على فايسبوك و تويتر. اشترك في نشرتنا الأسبوعية ليصلك تحديثات عن عمل المركز.